HOME BIOGRAPHY ALBUMS PHOTO GALLERY VIDEOS PRESS RELEASE CONTACT US  
       
     
 
   
 
   
  Al Hayat Newspaper - 05/12/08
كتابها «أرض الغناء» يبحث عما وراء الأكاديمي ... غادة غانم تعالج الصوت الذي لا نلمسه
   
  بيروت - غسان علم الدين
 
  لا تنبني عوالم غادة غانم في كتابها "أرض الغناء» على مناخات استنساب الجمالية الغنائية الموسيقية وما يروق لها منها فحسب، بل ذهبت في بحثها هذا خلف الحسي الغنائي، الجمالي العلمي التقني الخاضع لمقتضيات الشغل المتخصص الذي لا يعرف أسراره إلا أبناء وأهل "الكار».
   
  لم تقصر غانم رؤيـــتها، وهي الأستاذة في المـعهد الموسيقي العالي «الكونسـرفــتوار» في لبنان على الجوانب الأكــاديمية البحــتة، بل شَــرَعَت في أن تكون المشخــّص الفيزيـــولوجــي وعــالِم الألسنيات، والحكيم النفساني، وقـــارئ طوالع النجوم والأفلام. وقد أفضى اعتناؤها بهذه الرؤى والمجالات الحيوية الى إشعارنا بأنها ضخَّت كميات هائلة من روح التجريب الذاتي ودمه. هذا التجريب المؤيد بالشواهد الكثيرة، إن من أقوال وآراء الحكماء والفلاسفة، أو من مغنين بنوا أمجادهم بالاختبار والدرس والجهد الذاتي.
   
  من دون شك، فإن هذا يحيلنا الى استشعار العالم الصوفي الكوني الذي أحسب أن غانم حلّقت كثيراً في سمائه، قبل أن تطأ قدماها أرضه، وتثبت راسخة في فراديسه. صوتها المكتوب لا يتراجع أو ينكفئ مذعوراً جرّاء زجرة من هنا، أو زجرة من هناك، ولا ينكسر أو تضعف جمالياته بفعل اهتزازٍ أو اختناق أو نقص في أدوات التعبير. لكنك حين تقرأها تحسب أنك منصت اليها تسمعها بوجدان ورهافة بالغي الدقة والاعتناء. فلا فكرة تتقدم على أخرى، ولا نصيحة أو تعليمات تسبق أو تتعارض مع مثيلاتها فتلغيها مثلاً كأن لا لزوم لها! لا أبداً بل تتماسك وتندغم، وتفترق - ربما - لكنها لا تقع في التناقض، تؤلف زُمَرَها ومجموعاتها كما حركات السوناتات أو الكونشرتات.
   
  إن تكرار بعض البديهيات والمعطيات الإرشادية التي تشير اليها في سياق الارشادات والنصائح لطلابها من مثل: «النوم، والمأكل، والمشرب، وبعض التمارين الرياضية» لا يقع في الممجوج أو تحت خانة «ملء الصفحات» لا، بل يأتي منفتحاً على حركة استعادية للعودة الى الأصول الذهبية المفعمة بإكسير الحياة، الصوت المرتل المنشد المغني الذي لا ينطفئ وهجه أو يضمحل أو يموت. الإكسير هذا دائم التجدد وهو الجذوة المتقدة الأزلية، التي قد يغبَّش نورها بفعل اهتراءات وأدخنة المتردي الضّحل من معظم الشائع من غناء اليوم والذي ينبغي أن يظل كذلك بفعل وجود من وهبوا أنفسهم لنعمة عمل أورفيوس، ومَعبد والفارابي والساحر بافاروتي: «هَب نفسك، أظهر شخصيتك الدافئة. كن رقيقاً وكريماً جداً، ابتسم، وابتسم دائماً في داخلك (...) ليكن تفكيرك وعقلك كتفكير وعقل القائد الموسيقي» (ص 4).
   
   
  الطالب لدى غامن هو مغني املستقبل، وهو الساحر واملسحور، الفاتن واملفتون وهو الذي يختار ويصطفي من الكالم واألحلان ما يقع موقع السحر والفتنة واالصطفاء.
   
  إذاً، وجب عليه أن يكون شيئاً من الحكيم وشيئاً من الذواقة، وشيئاً من الطبيب، وشيئاً من الممثل وفي مكان أعلى من كل هذا الرائي الشاعر الذي اســتعار عصا المايسترو ليدير بـــها الأحاسيس التي لا تهدأ احوالها إلا في لحظات الاستماع عزفاً، أو غناء. لذا، فالتمكن والدُّربة هما العتاد والــعدة وزورق الأحلام وقيثارة السحرة. «الصوت حاسة لا نستطيع تلمسها بأيدينا. هذا ما يميزه من كل آلة موسيقية أخــرى. لكــننا نستــطيع أن نراه بمخيلتنا ونلمسه بمشاعرنا، ونتذوقه بفكرنا وروحنا، عندها تراه الأذن».
   
  تشحذك غانم وأنت تقرأها بطاقة مزخومة بالطلاوة، والشعور الدائم بالخصب والفرح، وأنك تستعيد جزءاً أساسياً من حياتك، افتقدته لكثرة ما تدهمك الحياة بفرضيات تأخذك الى حيث تريد وتملي عليك. هذــا الجزء المبكر من الحياة الذي انفتح عليك وانفتحت عليه، وقضــى أحدكــما مضــيعاً الآخر، أو الآخر مضيعه.
   
  وقد أفضى اعتناؤها بهذه الرؤى واجملاالت احليوية الى إشعارنا بأنها ضخت كميات هائلة من روح التجريب الذاتي ودمه. هذا التجريب املؤيد بالشواهد الكثيرة، إن من أقوال وآراء احلكماء والفالسفة، أو من مغنني بنوا أمجادهم باالختبار والدرس واجلهد الذاتي.
   
  فمفردات من مثل: «أحرف الين مفتوحة نقية حرة ترافق النفس» أو توجيهات من مثل التي تتطرق اليها كحرف «t» اللاتيني قائلة: ليكن لفظه أولاً خالياً من اللون، ثم تأديته على التوالي بفرح وغضب وحزن، العودة الى اللون واللفظة بخوف ومفاجأة».
   
  كأن الاستاذة غانم، هي الشاعرة والمخرجة السينمائية أيضاً، وهي العارفة بأطوار وحالات الأرواح والقلوب وكل الجوانيات الحسية، وهي العالمة الفيزيولوجية الطامحة دائماً الى جعل مريديها في أبهى الحالات، وفي أحسن وأجمل حضور.
   
   

 

 
 
Facebook Twitter LinkedIn Youtube        BLOG
  sopranoghada@yahoo.com 2014 copyright Ghada Ghanem, All rights reserved